“بطش العسكر”

الخميس 16-11-2017 12:45

بقلم  إيمان الطوخي

ماذا جنيت ليفعلوا بي كل هذا؟؟!! كانت تلك الكلمات التي يرددها ذلك الرجل العظيم الذي ظلمه وطنه الذي كان الضحية الاولى للقمع العسكري ورغبة وشهوة ضباط الجيش في الاستيلاء على عرش الحكم ،

آلا تعلم ماذا فعلت يا بطل انت نديت بالحرية ،والديموقراطية أمام أهل الديكتاتورية والقمعية ،وكأنك تبحث عن اهل الفضيلة في جهنم ،إن هذا المقال يرصد مدى الظلم والبطش الشديد الذي تعرض له اللواء أركان حرب “محمد نجيب” ،أول رئيس لجمهورية مصر العربية العسكرية ،وهو الابن الصالح البار للجيش المصري ،الذي بطش منه والده الجيش ووالدته مصر وظلم ظلما عظيما،بل وتعرض لظلم وبأس أخوته وهو أكبرهم ،وتعرض للعقاب الشديد الذي حرمه كل شئ طيلة حياته ؛لأنه فقط اراد أن يطبق الديموقراطية والحق ،ولم يتغافل عنهما

ذلك الرجل العظيم الذي أبدى بسالة كبيرة في حرب فلسطين 1948م ،حيث أصيب سبع مرات وكانت منها ثلاث إصابات خطيرة ؛لذلك تم وضع شارة بالرقم (3) على بدلته العسكرية الرسمية،وكانت أخطر إصابة هي الثالثة والاخيرة في (معركة التبه86) في ديسمبر 1948م ،حيث اصيب برصاصات ،وكانت اصابته شديدة حيث استقرت الرصاصات على بعد عدة سنتيمترات من قلبه، وعندما نقل إلى المستشفى اعتقد الاطباء أنه استشهد   ودخل اليوزباشي(نقيب )صلاح الدين شريف لإلقاء نظرة الوداع على جسده فرفع الغطاء عن وجهه وسقطت دمعة على وجه محمد نجيب ،وتحققت المعجزة ،فقد تحركت عيناه فجأة ،فأدرك الاطباء أنه مازال على قيد الحياة، وأسرعوا بإسعافه،وحصل وقتها على “نجمة فؤاد الاول العسكريه” لمجهوده الباسل في الحرب.
وكان محمد نجيب قائد الحركة التصحيحية التي نفذت في 23 يوليو 1952م،والتي انتهت بتنازل الملك فاروق عن العرش لوريثه ومغادرة البلاد،يقول ثروت عكاشة – أحد الضباط الأحرار – في كتابه «مذكراتي بين السياسة والثقافة»: «كان اللواء محمد نجيب أحد قادة الجيش المرموقين لأسباب ثلاثة: أولها أخلاقياته الرفيعة، وثانيها ثقافته الواسعة، فهو حاصل على ليسانس الحقوق، وخريج كلية أركان الحرب ويجيد أكثر من لغة، وثالثها شجاعته في حرب فلسطين التي ضرب فيها القدوة لغيره وظفر بإعجاب الضباط كافة في ميدان القتال»،وقال المؤرخ العسكري اللواء جمال حماد وهو أحد الضباط الأحرار أن الحركة لم تكن لتنجح لولا انضمام محمد نجيب إليها لما كان له من سمعة طيبة في الجيش، ولما كان لمنصبه من أهمية، إذ أن باقي الضباط الأحرار كانوا ذو رتب صغيرة وغير معروفين .
في 18 يونيو1953م أصبح محمد نجيب أول رئيس للبلاد بعد إنهاء الحكم الملكي وإعلان الجمهورية، قال محمد نجيب: في مذكراته أنه اكتشف أن رجال الثورة كانوا قد عقدوا العديد من الاجتماعات بدونه، كل هذه الأمور دفعته لكي يفكر جديا في تقديم استقالته ؛حيث كان في خلاف مع ضباط مجلس قيادة الثورة بسبب رغبته في إرجاع الجيش لعمله الاساسي والطبيعي في حماية البلاد، وعودة الحياة النيابية المدنية، ونتيجةلذلك قدم استقالته

والتي جاء فيها بسم الله الرحمن الرحيم ،السادة أعضاء مجلس قيادة الثورة .. بعد تقديم وافر الاحترام، يحزنني أن أعلن لأسباب لا يمكنني أن أذكرها الآن أنني لا يمكن أن أتحمل من الآن مسؤوليتي في الحكم بالصورة المناسبة التي ترتضيها المصالح القومية. ولذلك فإني أطلب قبول استقالتي من المهام التي أشغلها، وأني إذ أشكركم علي تعاونكم معي أسأل الله القدير أن يوفقنا إلي خدمه بلدنا بروح التعاون والأخوة.»

بهذه العبارات المختصرة قدم محمد نجيب استقالته في 22 فبراير 1954.وفي 25 فبراير أصدر مجلس القيادة بيان إقالة محمد نجيب، وأدعى البيان أن محمد نجيب طلب سلطات أكبر من سلطات أعضاء المجلس وأن يكون له حق الاعتراض علي قرارات المجلس حتي ولو كانت هذه القرارات قد أخذت بالإجماع، وأدعى أيضا أنه اختير قائدا للثورة قبل قيامها بشهرين،وانه علم بقيام الثورة ليلة 23 يوليو من مكالمة تليفونية من وزير الداخلية فتحرك إلي مبني القيادة وهناك تقابل مع عبد الناصر الذي وافق على ضمه وتنازل له عن رئاسة المجلس،ولكن بعد إذاعة بيان إقالته على الملأ خرجت الجماهير تحتج عليه وانهالت البرقيات علي المجلس ودور الصحف ترفض الاستقالة. واندلعت المظاهرات التلقائية في القاهرة والأقاليم لمدة ثلاثة أيام تؤيد نجيب وكانت الجماهير تهتف (محمد نجيب أو الثورة) وفي السودان اندلعت مظاهرات جارفة تهتف (لا وحدة بلا نجيب)، وانقسم الجيش بين مؤيد لعودة محمد نجيب وإقرار الحياة النيابية وبين المناصرين لمجلس قيادة الثورة، يرى البعض ان أزمة مارس لم تكن مجرد صراع علني على السلطة بين محمد نجيب وأعضاء مجلس قيادة الثورة بل كانت الأزمة أكثر عمقا، كانت صراعا بين اتجاهين مختلفين اتجاه يطالب بالديمقراطية والحياة النيابية السليمة تطبيقا للمبدأ السادس للثورة (إقامة حياة ديمقراطية سليمة)، وكان الاتجاه الآخر يصر علي تكريس الحكم الفردي وإلغاء الأحزاب وفرض الرقابة على الصحف، بينما يري آخرون أن الأزمة كانت مجرد صراع على السلطة بين محمد نجيب و جمال عبد الناصر.
في يوم 28 مارس 1954 خرجت أغرب مظاهرات في التاريخ تهتف بسقوط الديمقراطية والأحزاب والرجعية، ودارت المظاهرات حول البرلمان والقصر الجمهوري ومجلس الدولة وكررت هتافاتها ومنها «لا أحزاب ولا برلمان»، ووصلت الخطة السوداء ذروتها، عندما اشترت مجموعة عبد الناصر صاوي أحمد صاوي رئيس اتحاد عمال النقل ودفعوهم إلى عمل إضراب يشل الحياة وحركة المواصلات، وشاركهم فيها عدد كبير من النقابات العمالية وخرج المتظاهرون يهتفون “تسقط الديمقراطية تسقط الحرية” ، وقد اعترف الصاوي بأنه حصل علي مبلغ 4 آلاف جنيه مقابل تدبير هذه المظاهرات

ربح أعضاء مجلس قيادة الثورة المعركة ضد محمد نجيب وصدرت قرارات جديدة تلغي قرارات 25 مارس
وانهزم محمد نجيب في معركة مارس 1954 والواقع أنها لم تكن خسارته فقط وإنما كانت خسارة لمسيرة الديمقراطية في وادي النيل، أصر نجيب على الاستقالة لكن عبد الناصر عارض بشدة استقالة نجيب خشية أن تندلع مظاهرات مثلما حدث في فبراير 1954، ووافق محمد نجيب علي الاستمرار إنقاذا للبلاد من حرب أهلية ومحاولة إتمام الوحدة مع السودان

يوم 14 نوفمبر 1954 توجه محمد نجيب من بيته في شارع سعيد بحلمية الزيتون إلى مكتبه بقصر عابدين لاحظ عدم أداء ضباط البوليس الحربي التحية العسكرية، وعندما نزل من سيارته داخل القصر فوجئ بالصاغ حسين عرفة من البوليس الحربي ومعه ضابطان و10 جنود يحملون الرشاشات يحيطون به، فصرخ في وجه حسين عرفة طالبا منه الابتعاد حتى لا يتعرض جنوده للقتال مع جنود الحرس الجمهوري، فاستجاب له ضباط وجنود البوليس الحربي، لاحظ محمد نجيب وجود ضابطين من البوليس الحربي يتبعانه أثناء صعوده إلي مكتبه نهرهما فقالا له إن لديهما أوامر بالدخول من الأميرالاي حسن كمال، كبير الياوران، فاتصل هاتفيا بجمال عبدالناصر ليشرح له ما حدث، فأجابه عبدالناصر بأنه سيرسل عبد الحكيم عامر القائد العام للقوات المسلحة ليعالج الموقف بطريقته،وجاءه عبد الحكيم عامر وقال له في خجل «أن مجلس قيادة الثورة قرر إعفاءكم من منصب رئاسة الجمهورية فرد عليهم «أنا لا أستقيل الآن لأني بذلك سأصبح مسؤولا عن ضياع السودان أما أذا كان الأمر إقالة فمرحبا». وأقسم اللواء عبد الحكيم عامر أن إقامته في فيلا زينب الوكيل لن تزيد عن بضعة أيام ليعود بعدها إلي بيته، لكنه لم يخرج من الفيلا طوال 30 عاما،فعندما وصل إلى فيلا زينب الوكيل بضاحية المرج ، سارع الضباط والعساكر بقطف ثمار الفاكهة من الحديقة. وحملوا من داخل الفيلا كل ما بها من أثاث وسجاجيد ولوحات وتحف وتركوها خالية تماماً ، كما صادروا أثاث فيلا زينب الوكيل صادروا أوراق اللواء نجيب وتحفه ونياشينه ونقوده التي كانت في بيته. ومنعه تماما من الخروج أو من مقابلة أيا كان حتى عائلته،و أقيمت حول الفيلا حراسة مشددة، وفرض على جميع من بالمنزل عدم الخروج في الفترة من الغروب إلي الشروق، وكان عليهم أن يغلقوا النوافذ في عز الصيف تجنبا للصداع الذي يسببه الجنود، اعتاد الجنود أن يطلقوا الرصاص في منتصف الليل وفي الفجر، كانوا يؤخرون عربة نقل الأولاد إلى المدرسة فيصلون إليهم متأخرين ولا تصل العربة إليهم في المدرسة إلا بعد مدة طويلة من انصراف كل من المدرسة،وكانت غرفته في فيلا المرج مهملة بها سرير متواضع يكاد يختفي من كثرة الكتب الموضوعة عليه، وكان يقضي معظم أوقاته في هذه الحجرة يداوم علي قراءة الكتب المختلفة في شتي أنواع العلوم، خاصة الطب والفلك والتاريخ، ويقول محمد نجيب: «هذا ما تبقي لي، فخلال الثلاثين سنة الماضية لم يكن أمامي إلا أن أصلي أو أقرأ القرآن أو أتصفح الكتب المختلفة».

أثناء‏ العدوان الثلاثي ‏علي‏ مصر عام ‏1956 تم نقله ‏من‏ ‏معتقل‏ ‏المرج‏ ‏إلي‏ مدينة طما في سوهاج ‏بصعيد مصر ‏وقيل‏ ‏إنه‏ ‏كان‏ ‏من‏ ‏المقرر‏ ‏قتله‏ ‏في‏ ‏حالة‏ ‏دخول‏ ‏الإنجليز‏ ‏القاهرة‏ ‏‏‏وذلك‏ ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏سرت‏ ‏إشاعه‏ ‏قوية‏ ‏تقول‏ ‏إن‏ ‏إنجلترا‏ ‏ستسقط‏ ‏بعض‏ ‏جنود‏ ‏المظلات‏ ‏علي‏ ‏فيلا زينب‏ ‏الوكيل في‏ ‏المرج‏ ‏لاختطاف‏ ‏محمد نجيب‏ ‏وإعادة‏ ‏فرضه‏ ‏رئيسا‏ ‏للجمهورية‏ ‏من‏ ‏جديد‏ ‏بدلا‏ ‏من‏ جمال عبد الناصر، ولكن بعد فشل العدوان تم إعادته إلى معتقل المرج. وجرى التنكيل به حتى إن أحد الحراس ضربه على صدره في نفس مكان الإصابة التي تعرض لها في حرب 1948 مما سببت في حزن عميق لدى محمد نجيب، وأثناء نكسة 1967 ارسل برقية لجمال عبد الناصر يطلب منه السماح له بالخروج في صفوف الجيش باسم مستعار الا انه لم يتلق أي رد منه .

ظل محمد نجيب حبيس فيلا المرج حتى أمر السادات بإطلاق سراحه عام 1971 . ورغم هذا ظل السادات يتجاهله تماما كما تجاهله باقي أعضاء مجلس قيادة الثورة. يقول محمد نجيب في مذكراته:

« قال لي السادات: أنت حر طليق ، لم أصدق نفسي هل أستطيع ان اخرج وادخل بلا حراسة؟ هل استطيع ان اتكلم في الهاتف بلا تنصت؟ هل استطيع أن استقبل الناس بلا رقيب؟ لم اصدق ذلك بسهولة. فالسجين في حاجة لبعض الوقت ليتعود على سجنه، وفي حاجة لبعض الوقت ليعود إلى حريته. وانا لم اكن سجينا عاديا كنت سجينا يحصون انفاسه. ويتنصتون على كلماته ويزرعون الميكرفونات والعدسات في حجرة معيشته. وكنت اخشى ان اقترب من أحد حتى لا يختفي. واتحاشى زيارة الاهل والاصدقاء حتى لا يتعكر صفو حياتهم. وابتعد عن الأماكن العامة حتى لا يلتف الناس حولي، فيذهبون وراء الشمس، ولكن بعد فترة وبالتدريج عدت إلى حريتي وعدت إلى الناس وعدت إلى الحياة العامة، وياليتني ما عدت، فالناس جميعا كان في حلقها مرارة من الهزيمة والاحتلال. وحديثهم كله شكوى وألم ويأس من طرد المحتل الإسرائيلي. وبجانب هذه الاحاسيس كانت هناك أنات ضحايا الثورة. الذين خرجوا من السجون والمعتقلات ضحايا القهر والتلفيق والتعذيب. وحتى الذين لم يدخلوا السجون ولم يجربوا المعتقلات، ولم يذوقوا التعذيب والهوان كانوا يشعرون بالخوف، ويتحسبون الخطى والكلمات. وعرفت ساعتها كم كانت جريمة الثورة في حق الإنسان المصري بشعة.» ،ووجد محمد نجيب الكلاب والقطط خير صديق في سجنه،و يقول : « لقد كان هؤلاء الأصدقاء الأوفياء سلوى وحدتي في سنوات الوحدة تلك السنوات المرة التي وصلت فيها درجة الافتراء إلى حد إشاعة خبر وفاتي وقد سمعت هذا الخبر بأذني من إذاعات العالم. وقرأته بعيني في كتاب ضباط الجيش في السياسة والمجتمع والذي وضعه كاتب إسرائيلي يدعى اليزير بيير أن محمد نجيب توفي عام 1966 !!!»
وحينما سأله بعض الإعلاميين كيف يخرج من جديد إلى الحياة العامة قال وقتها: « إلى أين أذهب بعد 30 سنة لم أخرج فيها إلى الحياة. ليس لدي معارف أو أحد يهتم بي. أنا أعيش هنا وحدي بعد أن مات اثنان من أولادي ولم يبق غير واحد منهم، فإلى أين اذهب؟»
تُوفي محمد نجيب في 28 أغسطس 1984 بعد دخوله في غيبوبة في مستشفى المعادي العسكري بالقاهرة، أثر مضاعفات تليف الكبد. بعد أن كتب مذكراته شملها كتابه كنت رئيسا لمصر، ويشهد له أن كتابه خلا من أي اتهام لأي ممن عزلوه.

على الرغم من رغبة محمد نجيب في وصيته أن يدفن في السودان بجانب أبيه، إلا أنه دفن في مصر بمقابر شهداء القوات المسلحة في جنازة عسكرية مهيبة، من مسجد رابعة العدوية بمدينة نصر وحمل جثمانه على عربة مدفع، وقد تقدم الجنازة الرئيس المعزول حسني مبارك شخصيا وأعضاء مجلس قيادة الثورة الباقين على قيد الحياة، وكان كل هذا الالم الذي عايشه محمد نجيب كرد جميل على اخلاص وشرف هذا الرجل ، وبالرغم من كل تلك المظالم التي تعرض محمد نجيب لم يفقد وطنيته وحبه وعشقه لتراب هذا البلد، ونحن الان في عصرنا هذا كل ما نواجه من مشكلات من حكم عسكري دام منذ سجن محمد نجيب ، محمد نجيب لم يسجن بمفرده بل سجن معه كل المصريين وتم قمعهم منذ تولي جمال عبدالناصر وحتى عصرنا هذا فأصبحت لعنة محمد نجيب على مصر، لعنة ذلك الرجل الذي ظلم حيا وميتا رحم الله محمد نجيب و اعاننا حتى نتخلص من تلك اللعنة بتطبيق تلك الديموقراطية التي دفنت حيا من اجلها

صوووت مصر نيبوز (2)

صوووت مصر نيبوز (1)

اضف تعليق